الجوانبُ المادِّيَّةُ والمعـنويَّةُ للحياةِ: المَنظورُ العِلمِيُّ مُقابِلَ الطَّرْحِ الدِّينِيِّ
عِـندَ النَّظَرِ إِلى الحَياةِ مِن مَنظورٍ عِـلمِيٍّ وَإِنسانيٍّ، نَجِدُ أَنَّ تَقسيمَها إِلى جَوانِبَ مادِّيَّةٍ وَمَعنَوِيَّةٍ أَمرٌ مُتأصِّلٌ في فَهمِ البَشرِ مُنذُ القِدَمِ.
العُلومُ الحَديثَةُ تتعامل مع البُعـدِ المادِّيِّ لِلحَياةِ من جِهة (المَحسوسِ، القابِلِ لِلقِياسِ وَالتَّجرِبَةِ)، وَالبُعدِ المَعـنَوِيِّ من جِهَةٍ أُخرى (المَشاعِرِ، القِيَمِ، الإِبداعِ، العَلاقاتِ الإِنسانيَّةِ). الفارِقُ هوَ أَنَّ العِلمَ (ساينس) يَسعَى لِفهم وتَفسيرِ هذِهِ الجَوانِبِ وَفقَ مَنهَجِيَّاتٍ مَوضُوعِـيَّةٍ قابِلَةٍ لِلفَحصِ والتَّحقُّقِ.
في البِيئاتِ البِدائِيَّةِ، لَم يَكُنِ الإِنسَانُ يُفَسِّرُ النَّواحِيَ المَعنَوِيَّةَ أَو يُحَلِّلُها، بَل كانَ يَتَفاعَلُ مَعَها كَرُدودِ أَفعالٍ عَـفَويَّةٍ لِما تَلتَقِطُهُ حَواسُّهُ الخَمسَةُ، دُونَ وَعيٍ مِنهُ بِطَبيعَتِها أَو آليّاتِها النَّفسِيَّةِ. كانَتِ المَشاعِرُ وَالعَواطِفُ، كَالخَوفِ وَالفَرحِ وَالغَضَبِ، مُجرَّدَ استِجابَاتٍ آنِيَّةٍ مُرتَبِطَةٍ مُباشَرَةً بِالمُحَفِّزاتِ الخارِجِيَّةِ، دونَ إِدرَاكٍ لِمُكَوِّناتِها أَو وَظائِفِها.
وَعِـندَما نَشَأَتِ الأَديانُ في تِلكَ البِيئَةِ البِدائِيَّةِ، لَم تُقَدِّم فَهمًا عِـلمِيًّا أَو نَفسِيًّا لِهذِهِ المَشاعِرِ، بَلِ اكتَفَت بِتَصنيفِها وَفقَ ما يَقبَلُهُ الإِلَهُ أَو يَرفُضُهُ مِن سُلُوكِيَّاتٍ تُجاهَ الآخَرِينَ. وَغَالِبًا ما حَصَرَتِ الأَديانُ مَشاعِرَ الحُبِّ وَحُسنِ المُعامَلَةِ وَالتَّعاطُفِ في إِطارٍ ضَيِّقٍ يَخصُّ أَتباعَها فَقَط، مُستَثنِيَةً غَـيرَ المُنتَمِينَ إِلَيها مِن هذَا الإِطارِ الأَخلاقِيِّ.
المَنظورُ العِـلمِيُّ:
- المادِّيُّ: يَشمَلُ دِراسَةَ الطَّبيعَةِ، الفِيزِياءِ، الكِيمياءِ، البَيُولُوجيا، وَكُلَّ ما يُمكِنُ رَصدُهُ وَقِياسُهُ. مِثال: فَهمُ دَورَةِ المِيَاهِ، تَكُّونِ النُّجُومِ، جهاز الهضم.
- المَعـنَوِيُّ: يشمَلُ دِراسَةَ الظَّواهِرَ غَـيرَ المَلمُوسَةِ لَكِن القابِلَةِ لِلتَّفسيرِ مِثلَ الحُبِّ، الإِبداعِ، الإِيثارِ، الوَعي، وَتَأثيرِ الفَنِّ وَالمُوسِيقَى عَـلَى النَّفسِ.
الطَّرحُ الدِّينِيُّ التَّقلِيدِيُّ:
- يَميلُ هذا الطرح إِلى تَقسِيمِ العَالَمِ إِلى “مادِّيٍّ” وَ”رُوحَانِيٍّ”، حَيثُ الرُّوحَانِيَّاتُ تَتَضَمَّنُ الإِيمَانَ بِالغَيبِ، الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالمَلائِكَةِ، مَعَ الدَّعوَةِ إِلى التَّصديقِ دُونَ بَحثٍ أَو تَحلِيلٍ.
- يُنظَرُ إِلى المَعنَوِيَّاتِ كَجُزءٍ مِن الغَيبِيَّاتِ الروحانية، بَينَما في العِلمِ هِيَ جُزءٌ مِن الحَياةِ الإِنسانيَّةِ الطَّبيعِيَّةِ.
لِماذا المَنهَجُ العِـلمِيُّ أَوضَحُ وَأَشمَلُ؟
- لِأَنَّهُ يَدمِجُ بَينَ المادِّيِّ وَالمَعنَوِيِّ في إِطارٍ واحِدٍ مُتكامِلٍ، دُونَ فَصلِهِما بِجِدارٍ غَـيرِ قابِلٍ لِلاختِراقِ.
- لِأَنَّهُ يَسمَحُ بِفَهمِ الظَّواهِرِ المَعنَوِيَّةِ عَـلَى أَساسِ تَجارِبَ إِنسانيَّةٍ مُشتَرَكَةٍ وَأَدِلَّةٍ محسوسة وملموسة، لَا عَـلَى أَساسِ أَوامِرَ أَو نُصُوصٍ مُقدَّسَةٍ.
خُلاصَةٌ:
النِّقاشُ مَعَ المُؤمِنِينَ مِن مَنظورٍ عِـلمِيٍّ وَأَنتروبُولوجِيٍّ يُوضِّحُ أَنَّ المادِّيَّاتِ وَالمَعنَوِيَّاتِ ليسا طرفان منفصلان، بَل هُما مُكَوِّنَاتٌ مُتَداخِلَةٌ لِحَياةٍ واحِدَةٍ يُمكِنُ فَهمُها وَتَحسِينُها بِالمَعرِفَةِ وَالدِّراسَةِ، بَعيدًا عَـنِ الغُمُوضِ وَالإِيمَانِ الأَعـمَى.