لماذا الرهاب من فكرة التطوُّر أصلاً؟
قبل كلِّ شيء، لا بُدَّ أن ننوّه إلى أن رجالَ الدِّين يريدون الحياةَ البشريَّة أن تكون نمطيّة؛ باعتبار أن الله قد خَلَق كلَّ شيءٍ بأفضلِ وجه، وسيستمرُّ على هذا المنوال، وأيُّ محاولةٍ للتغيير تُعدُّ، في نظرهم، تطاولًا على إرادة الله.
في الحقيقة، التغيير مُحرِجٌ بالنسبة لهم، لأنه يُخرِجهم عن المألوف، ويُضطرُّهم للتعامُل مع ما لم يَعهَدوه، وما لا عِلم لهم به، ولذلك تراهم يُعادون كلَّ ما يَجهلونه.
لذا، حرَّموا الشطرنج، والموسيقى، والرَّسم، والنَّحت.
وحين ظهر الراديو، حرَّموه وشيطنوه.
وحين ظهر التلفاز، قالوا إنه مَفسدة.
وفي كلِّ مرَّة، ينتهي بهم الأمر لا إلى قبوله فحسب، بل إلى الاستفادة منه بأنفسهم، وتغيير فتاواهم!
لماذا؟
لأن تلك الأدوات وُلدت من رحم “الساينس”، والعِلم وُجِدَ أصلًا لخدمة الإنسان، دون تفريق أو تمييز.
لكن حين شاعـت “نظرية التطوّر”، وقفوا ضدّها على طول الخط، لأنها تُهدِّد البنية التي قام عـليها خطابهم القديم، وتضرب الأساسات التي ظلّوا يردّدونها عـبر السنين.
والمشكلة أنهم لم يفهموها، وما زالوا لا يفهمون منها شيئًا، بل يُشيعون عنها أفكارًا مشوَّهةً ومُضلّلة ليُنفِّروا أتباعهم منها.
فعلى مدى عـقود، ظلّوا يُردّدون أن نظرية التطوّر تقول إن “أصل الإنسان قرد”، وما زال ملايين المسلمين، حتى اليوم، يظنون أنها كذلك فعلاً.
وطالما أن المسلمين يُسلِّمون عـقولهم لشيوخهم، دون قدرة عـلى تقصِّي المعلومة العلميَّة من مصادرها الموثوقة، فسيبقَون ضحايا للنصّابين والجهلة من رجال الدين.
ومما يزيد الطين بلّة، أن أسئلة العِلم – أسئلة “الساينس” – لا يمكن الردّ عليها بسرد آيات محفوظة، كما هو الحال في الدين.
فالفِيزياء، والكيمياء، والبايولوجي، وسائر التخصّصات المتفرِّعة منها، مبنيَّة عـلى بحوثٍ، ودراساتٍ، وتراكمٍ معرفيٍّ عميق، يتطلَّب سنوات من التعلُّم لفهمه وإدراكه.
ولذلك، لا يمكن الردّ على الأسئلة المعقّدة علميًا في بضع لحظات أو دقائق.
وفي النهاية لاحاجة لشرح نظرية التطور بتفاصيلها لنرى هل هي معقولة أم لا ـ أن الحياة تطورت من خلية واحدة
يكفي أن ننظر إلى جنين الإنسان أو جنين أي حيوان، يبدأ من خلية واحدة ويتطور عـبر مراحل حتى يصبح كائناً متعدد الخلايا والأعضاء والأنسجة

فمالغريب في القول أن الحياة بدأت من خلية واحدة ومرت بمراحل حتى تفرعت إلى مختلف الأحياء التي نراها في العالم؟