الدفاع عن الإسلام بما ليس فيه — هل يخدم الإسلام فعلاً؟
مقدمة
من المعتاد أن يلجأ دعاة الدين إلى التنميق المفرط في تصوير الإسلام، فيسعون لإلصاق مزايا وحداثيات لم يعرفها الدين أصلًا. لكن هذه الاستراتيجية، بدل أن تعزز صورة الإسلام، تؤدي إلى نتيجة عكسية: إضعافه وتشويهه. لأن القارئ المحايد عندما يقارن الخطاب الدعوي بالنصوص الأصلية، يكتشف الفجوة، ويشعر أن الدين لا يُقدَّم كما هو، بل كما يتخيله الدعاة.
1. الإسلام ابن بيئته
الإسلام نشأ في مجتمع بدوي، تحكمه معطيات القبيلة والعيش البسيط. ولذلك فمن الطبيعي أن يغيب عن نصوصه الكثير من المفاهيم التي تُعتبر أساسية في العصر الحديث: التربية الحديثة، علم النفس، احترام التنوع الثقافي، أو مراعاة المشاعر الإنسانية.
محاولة تحميل نصوص القرن السابع ما لا تحتمل في القرن الواحد والعشرين، هي إسقاط تاريخي يفتقر إلى النزاهة العلمية.
2. أمثلة على الادعاءات المفتعلة
- التربية الأسرية: يكتب بعض الدعاة عن “إرشادات الإسلام لتربية الأولاد”، لكن ما في النصوص لا يتجاوز أوامر عامة بالطاعة والتأديب. أما التفاصيل التي يذكرونها فهي مستعارة من علوم التربية الحديثة ثم تُلصق بالإسلام.
- مراعاة المشاعر: بينما تتباهى المقالات الدعوية بأن الإسلام يقدّر مشاعر الناس، فإن النصوص القرآنية في كثير من المواضع تخاطب البشر بصفات سلبية (كفار، أغلف، كالأنعام). كما أن التعامل مع المخالف مبني على الوعيد والعقوبة لا على التعايش.
3. المدح المفتعل يتحول إلى ذم
حين يقدّم الداعية الدين على أنه يجمع كل ما توصلت إليه الإنسانية من فضائل، فهو في الحقيقة يقول ضمنًا: “النصوص وحدها لا تكفي، لذلك أحتاج لتزيينها”. وهذا يضعف صورة الدين بدل أن يعززها.
فالمبالغة في المدح بما ليس فيه تصبح ذمًا مقنّعًا، لأنها تظهر الدين كعاجز عن الدفاع عن نفسه.
4. أزمة الثقة في رجال الدين
التجربة التاريخية والواقع المعاصر يثبتان أن الثقة العمياء في رجال الدين مصدر بلاء وتفرقة. فبدل أن يوحدوا المسلمين، جعلوهم شيعًا ومذاهب متناحرة:
- السنة والشيعة والخوارج، ثم داخل السنة مذاهب فقهية متعددة.
- في العصر الحديث ظهرت تيارات جديدة مثل:
- القرآنيون الذين يعتمدون القرآن وحده.
- تيار وسط يقبل بعض الأحاديث بشرط توافقها مع القرآن.
- اتجاهات متناقضة حول نظرية التطور: بين رافض كلي، وقابل جزئي، ومَن يرى أنها مشيئة إلهية.
- انقسام حول الموسيقى: بين من يعدها حرامًا ومن يراها فنًا راقيًا.
هذه الانقسامات تظهر أن ما يفرّق المسلمين أكثر مما يجمعهم. ولو كان الدين وحده كافيًا لتوحيدهم، لما رأينا كل هذا التشتت.
5. الطريق الأسهل والأكثر اتزانًا
الحل ليس في الثقة برجل دين ضد آخر، بل في العودة إلى ما يوحّد: العقيدة المشتركة، وترك التفاصيل المتغيرة للعلوم الحديثة والاختصاصيين.
فاليوم لدينا علوم اجتماعية وإنسانية (عـلم النفس، عـلم الاجتماع، الأنثروبولوجيا، عـلم الجريمة…) تدرس الإنسان وسلوكه بطرق عـلمية محايدة، وتُحترم عالميًا بغض النظر عن المعتقد، وتشمل آلاف الدراسات والبحوث المفصلة والمعمقة عبر العالم. والمتخصصون في هذه العلوم منهم مسلمون ومسيحيون وغير هذا وذاك وهدفهم خدمة الإنسان عموماً بموضوعية وحيادية.
بهذا يمكن للمسلم أن يعيش حياة متوازنة، يثبت على عـقيدته إن شاء، لكنه لا يدخل في صراعات عبثية ولا يجعل الدين سيفًا على رقاب الآخرين.
خاتمة
التنميق المفتعل والاعتماد على دعاة الدين لا يخدم الإسلام، بل يزيد من صورته هشاشةً في نظر الآخرين. المسلم اليوم أحوج إلى واقعـية وموضوعية:
- أن يتجنب المبالغة.
- أن يتعامل مع النقد بعـقـل منفتح.
- أن يعي أن تشتت المسلمين سببه رجال الدين أنفسهم.
وبذلك، يستطيع المسلم أن يبقى مؤمنًا دون أن يعيش في عـزلة أو عـداوة مع بقية البشر.