المرأة بين المهنة والأمومة: تَصَوُّرٌ مُتَزِنٌ لِهُوِيَّةٍ مُرَكَّبَة
موضوعُ المرأةِ بين المِهنَةِ والأُمومةِ هو أحد أكثر المواضيع حسّاسية وتشعبًا، لأنه يمس جوهر الحياة الإنسانية: الدور، الهوية، والاختيار.
جدلٌ مُزمنٌ لا ينتهي:
تَنْقَسِمُ الآرَاءُ حَوْلَ دَوْرِ الْمَرْأَةِ بَيْنَ فَرِيقٍ يُصِرُّ عَلَى أَنَّهَا وُجِدَتْ لِتَكُونَ زَوْجَةً وَأُمًّا، وَآخَرَ يُنَادِي بِحَقِّهَا فِي التَّحَرُّرِ وَالِاسْتِقْلَالِ وَالْعَمَلِ كَفَرْدٍ فِي الْمُجْتَمَعِ.
لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْخِيَارَيْنِ، بَلْ فِي فَرْضِ نَمُوذَجٍ وَاحِدٍ عَلَى الْجَمِيعِ، وَفِي افْتِرَاضِ أَنَّ الْمَرْأَةَ كِيَانٌ نَمَطِيٌّ تُقَاسُ بِمِقْيَاسٍ وَاحِدٍ، وَتُقْدَّرُ بِدَوْرٍ مُحَدَّدٍ مُسْبَقًا.
هَلْ هُوَ صِرَاعٌ بَيْنَ الطَّبِيعَةِ وَالْخِيَارِ؟
صَحِيحٌ أَنَّ الأُمُومَةَ دَوْرٌ بَيُولُوجِيٌّ وَنَفْسِيٌّ عَمِيقٌ، يَسْتَحِقُّ كُلَّ التَّقْدِيرِ، وَأَنَّهُ لا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ مَا تَقُومُ بِهِ الْأُمُّ فِي تَشْكِيلِ الْإِنْسَانِ وَبِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ.
وَصَحِيحٌ أَيْضًا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ عُقْلًا وَكِيَانًا وَطُمُوحًا، يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَثْمِرَ فِي التَّعْلِيمِ وَالْمِهْنَةِ وَالْعَطَاءِ الْإِنْسَانِيِّ وَالْعِلْمِيِّ.
لَيْسَتِ الْقَضِيَّةُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ “أُمٍّ” وَ”مُوَظَّفَةٍ”، وَلَا بَيْنَ “رَبَّةِ بَيْتٍ” وَ”نَاشِطَةٍ فِي الْمَجَالِ الْعَامِّ”، بَلْ فِي إِدْرَاكِ أَنَّ الْحَيَاةَ الْمُعَاصِرَةَ تُتِيحُ خِيَارَاتٍ وَاسِعَةً، وَأَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَتْ نُسَخًا مُكَرَّرَةً.
هَلْ يُمْكِنُ الدَّمْجُ بَيْنَ الدَّوْرَيْنِ؟
نَعَم، لَكِنَّ الدَّمْجَ يَسْتَلْزِمُ:
- دَعْمًا إِجْتِمَاعِيًّا وَعَائِلِيًّا: يُسَاعِدُ الْمَرْأَةَ فِي التَّوَازُنِ بَيْنَ التَّرْبِيَةِ وَالْمِهْنَةِ.
- تَشْرِيعَاتٍ عَادِلَةً: تُقَدِّرُ دَوْرَ الْأُمِّ وَتُيَسِّرُ دُخُولَهَا سُوقَ الْعَمَلِ بِشُرُوطٍ لَا تُلْغِي أُمُومَتَهَا.
- تَغْيِيرَ النَّظْرَةِ الثَّقَافِيَّةِ: فَفِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ، مَا زَالَتِ الْمَرْأَةُ تُقَيَّمُ بِمِقْدَارِ تَفَانِيهَا فِي الْبَيْتِ، أَوْ بِمِقْدَارِ نَجَاحِهَا الْمِهْنِيِّ، وَكَأَنَّهُمَا نَقِيضَان.
الْخُلاصَةُ
الْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مُلْزَمَةً بِمَا يَرَاهُ الْمُجْتَمَعُ أَوْ مَا يُفْرَضُ عَلَيْهَا تَقْلِيدًا أَوْ دِينًا. وَلَيْسَ كُلُّ النِّسَاءِ مُؤَهَّلَاتٍ لِلْأُمُومَةِ، وَلَا كُلُّهُنَّ طُمُوحَاتٍ فِي الْمِهْنَةِ.
إنَّمَا الْحَلُّ فِي التَّفَهُّمِ، وَالدَّعْمِ، وَالإِتَاحَةِ، وَالِاخْتِيَارِ الْوَاعِي الْحُرِّ، لا فِي تَسْيِيرِ الْجَمِيعِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ.